عبد الملك الجويني

352

نهاية المطلب في دراية المذهب

فصل كتاب البيع باب اختلاف المتبايعين 3273 - إذا جرى التحالف على الوصف الذي ذكرناه ، فالقول بعده فيما يصير العقد إليه . فظاهر نص الشافعي أن العقد لا ينفسخ ، ولكن يُنشأ فسخه ، ووجه ذلك بيّن ؛ فإنه لا يتحقق بالتحالف إلا تعَدُّرُ إمضاءِ العقد ، لو أصرّا على اختلافهما . ولا بأس من أن يصدّق أحدُهما الثاني ، فلا معنى للحكم بالانفساخ . ولكنا نقول لكل واحد منهما : إما أن توافق صاحبك وتصدُقَ إن كنتَ الكاذب . وإما أن تفسخ العقد . وذكر بعض أصحابنا قولاً اَخر مخرّجاً : أن العقدَ ينفسخ . وهذا القول منسوبٌ إلى أبي بكرٍ الفارسي ، وفقهُه عندي أن العقد إذا انتهى إلى التنازع في المعقود عليه ، فنجعل كأن العقدَ فُرض إنشاؤه مع الاختلاف في المعقود عليه ، ولو كان الأمر كذلك لما انعقد العقد . فإن أفضى الأمر إلى هذا وتأكد بالأيمان ، قدَّرنا كأن صيغةَ العقد كانت على الاختلافِ ، وصيغةُ هذا المذهب المنسوب إلى الفارسي تُشعر بأنّا نتبيّن أن لا عقد استناداً . وهذا ضعيفٌ . ولا خِلافَ أن الزوائد التي حدثت بعد العقدِ وقبل التحالف مقررةٌ على المشتري ، وكذلك لا خلاف أن المشتري لو كان تصرف تصرفاً مزيلاً للملك ، ثم فرض الاختلاف من بعدُ ، فلا نتبيَّن فساد العقد وارتفاعَه . وذكر الشيخ أبو علي في تفريع مذهب الفارسيّ أنا نتبين فسادَ التصرّفات التي جَرت قبل التحالف . وهذا وفاءٌ بحق التبيُّن والإسناد ، ومَصيرٌ إلى أن نجعل كأَنَّ العقد لم يَجْرِ ، وهذا يتضمن ارتدادَ الزوائد إلى البائع لا محالةَ . هكذا ذكر الشيخ أبو علي . ولو قيل : التحالف يوجب الانفساخَ ، لأمكن تقريرُ وجهٍ فيه ، من غير ردَّ الأمر إلى تقدير وقوع العقد كذلك ؛ فإنَّ استحقاق إنشاء الفسخ إن نيط بالتحالُفِ ، فغيرُ بدع أن تناط به عين الانفساخ .